جلال الدين السيوطي
444
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها ، وآلتك التي تزهي بها إلا أن تستعير من العربيّة لها اسما ، فتعار ، ويسلم لك ذلك بمقدار ، وإذا لم يكن لك بدّ من قليل هذه اللغة من أجل التجربة ، فلا بدّ لك أيضا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثقة والتوقّي من الخلّة اللاحقة . قال متّى : يكفيني من لغتكم هذه الاسم والفعل والحرف ، فإني أتبلّغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذّبها لي يونان . قال : أخطأت ؛ لأنّك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها وبيانها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها ، وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف ، فإنّ الخطأ والتحريف في الحركات كالخطأ والفساد في المتحرّكات ، وهذا باب أنت ورهطك عنه في غفلة ، على أنّ ههنا سرّا ما علق لك ولا أسفر لعقلك ، وهو أن تعلم أنّ لغة من لغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وتخفيفها وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ووزنها وميلها وغير ذلك مما يطول ذكره ، وما أظنّ أحدا يدفع هذا الحكم أو يشكّ في صوابه ممّن يرجع إلى مسكة من عقل ، أو نصيب من إنصاف ، فمن أين يجب أن تثق بشيء ترجم لك على هذا الوصف ؟ بل أنت إلى أن تعرف اللغة العربيّة أحوج منك إلى أن تعرف المعاني اليونانيّة ، على أنّ المعاني لا تكون يونانيّة ولا هنديّة ، كما أنّ اللغات تكون فارسيّة وعربيّة وتركيّة . ومع هذا ، فإنّك تزعم أنّ المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر ، فلم يبق إلا إحكام اللغة ، فلم تزري على العربيّة وأنت تشرح كتب أرسطوطاليس بها مع جهلك تحقيقها ؟ ! وحدّثني عن قائل قال لك : حالي في معرفة الحقائق والتصفّح لها حال قوم كانوا قبل واضع المنطق ، انظر كما نظروا ، وأتدبّر كما تدبّروا ؛ لأنّ اللغة قد عرفتها بالمنشإ والوراثة ، والمعاني نقّرت عنها بالنظر والرأي والاعتقاب والاجتهاد ، ما تقول له ؟